اخبار الشبيبة و الرياضة اخبار الشبيبة و الرياضة
الرياضة

آخر الأخبار

الرياضة
الرياضة
جاري التحميل ...

ذ. عبد العزيز سنهجي: هندسة التكوين: مدخل استراتيجي لتطوير الكفاءات المهنية


 هندسة التكوين: مدخل استراتيجي لتطوير الكفاءات المهنية

بقلم: عبد العزيز سنهجي / مكون ومشرف على مجموعة من التكوينات الوطنية والجهوية

 

في سياق التنظيم الجديد للتعلم والتكوين والعمل، وانسجاما مع التحولات السوسيو-اقتصادية والتكنولوجية الناتجة عن عولمة الاقتصاد والتقدم المتسارع في اقتصاد المعرفة وتكنولوجيات المعلومات، أصبحت القضايا المتعلقة بالحكامة والجودة والمهننة في أنظمة التعلم والتكوين والعمل مطلبا اجتماعيا ملحا، وتشكل انشغالا مؤسساتيا ومجتمعيا متزايدا. كما بدأ الفاعلون المباشرون في هذه المجالات ينظرون بكثير من عدم الرضا، وأحيانا بانتقاد واضح، إلى السياسات العمومية المعتمدة في تدبير خطط وبرامج التكوين والتأهيل المهني.

وقد أدى ذلك إلى بروز قناعة في صفوف المهنيين مفادها أن النماذج والمنظورات المعتمدة استنفدت أغراضها، ولم تعد قادرة على مسايرة تحديات ورهانات الألفية الجديدة، خاصة في ظل الأزمات المستجدة والتحولات المتسارعة. وأصبح من الضروري البحث عن منظورات وبراديغمات جديدة قادرة على تلبية الحاجات الفردية والمؤسساتية في مجتمعات التحول الرقمي والمعرفي.

غير أنه، لمعالجة هذه الإشكالات، لا يبدو من المجدي اعتماد نماذج وأساليب جاهزة تم إنتاجها في سياقات مغايرة دون تكييفها وتبيئتها. فالدراسات المقارنة والرؤى المهنية المتقاطعة، إلى جانب النقاشات داخل أوساط العمل، يمكن أن تفضي إلى حلول مبتكرة، وتساهم في بناء قاعدة معرفية متكاملة في أبعادها النظرية والعملية والسلوكية، بما يغذي مدخلات وسيرورات ومخرجات الاستراتيجيات التكوينية.

وفي هذا الإطار، تأتي هذه الورقة لتسليط الضوء على هندسة التكوينات ، من خلال إبراز أهم الملامح والموجهات الكبرى المؤطرة لهذا المجال. فقد أصبح التكوين اليوم رافعة أساسية لتطوير الكفاءات وتحسين الأداء، ولم يعد يقتصر على نقل المعارف، بل تحول إلى عملية منهجية تستهدف إحداث تغيير ملموس في الممارسة المهنية. ومن هنا تبرز هندسة التكوين كمقاربة علمية وتنظيمية تهدف إلى تخطيط وتنفيذ وتقويم التكوينات بشكل يضمن فعاليتها وملاءمتها لحاجات المستفيدين.

في مبررات ومداخل هندسة التكوين:

تستند هندسة التكوين إلى مجموعة من المبررات التي تفرضها طبيعة التكوين الحديث، من أبرزها الحاجة إلى تجاوز المقاربة التقليدية القائمة على التلقين، واعتماد مقاربة تفاعلية تضع المتعلم في صلب العملية التكوينية. كما أن تنوع حاجات المستفيدين واختلاف مستوياتهم يفرض اعتماد منهجية علمية دقيقة تضمن ملاءمة التكوين مع واقعهم المهني.

إن التكوين الفعال لا يقاس بكمية المعارف المقدمة، بل بمدى قدرته على إحداث تغيير في الأداء، وهو ما يبرز أهمية اعتماد هندسة تكوينية محكمة. وفي هذا السياق، تعتمد هذه الهندسة على مداخل متعددة ومتكاملة، من بينها المدخل بالكفايات الذي يركز على تنمية القدرة على توظيف الموارد في وضعيات مهنية، والمدخل بالحاجات الذي ينطلق من تشخيص الفجوة بين الواقع والمأمول، إضافة إلى المدخل بالوضعيات الذي يربط التعلم بالممارسة، والمدخل التشاركي الذي يثمن خبرة المتدربين ويشركهم في بناء التعلم.

في مراحل هندسة التكوين:

تمر هندسة التكوين عبر سلسلة من المراحل المترابطة التي تشكل نسقا منهجيا متكاملا. تبدأ هذه المراحل بتشخيص الحاجات التكوينية، باعتبارها نقطة الانطلاق التي يتم من خلالها تحديد الصعوبات المهنية ونقط القوة لدى المتدربين. تليها مرحلة التخطيط، حيث يتم تحديد الأهداف التكوينية بدقة، واختيار المضامين والوسائل المناسبة.

أما مرحلة التصميم، فتهتم ببناء السيناريو التكويني وإعداد الوضعيات التعلمية التي تحاكي الواقع المهني، في حين تمثل مرحلة التنفيذ لحظة تفعيل التكوين من خلال التنشيط التفاعلي وتوظيف تقنيات بيداغوجية متنوعة. وأخيرا، تأتي مرحلة التقويم، التي تعد عنصرا أساسيا لضبط جودة التكوين، حيث تشمل التقويم التشخيصي والتكويني والإجمالي، بهدف تحسين التعلمات وضمان تحقيق الأهداف.

في منهجية تشخيص الحاجات وأدوار المكون:

يعد تشخيص الحاجات التكوينية مرحلة محورية في هندسة التكوين، إذ يمكن من تحديد الفجوة بين الأداء الحالي والأداء المطلوب، وبالتالي توجيه الفعل التكويني نحو تحقيق أثر فعلي. وتعتمد هذه العملية على مجموعة من الأدوات المنهجية، مثل الاستمارات، والمقابلات، ومجموعات النقاش، التي تمكن من جمع معطيات دقيقة حول حاجات المتدربين.

كما يمكن تصنيف هذه الحاجات إلى فردية ومؤسساتية واستراتيجية، مما يسهم في بناء تكوين متكامل. وفي هذا السياق، يتخذ المكون أدوارا متعددة تتجاوز وظيفة نقل المعرفة، حيث يصبح مهندسا للتعلم من خلال تصميم الوضعيات، ومنشطا يدير التفاعل داخل فضاء التكوين، وملاحظا يقيم الأداء ويقدم تغذية راجعة بناءة. كما تتوزع كفاياته على جوانب معرفية ومنهجية وسلوكية وأخلاقية، مما يجعله فاعلا محوريا في نجاح العملية التكوينية.

في العدة البيداغوجية وتحقيق الأثر التكويني:

تقوم فعالية التكوين على حسن توظيف المكون لعدة بيداغوجية متكاملة تشمل تقنيات التنشيط وأدوات التصميم والتقويم. فمن حيث التنشيط، يعتمد المكون على تقنيات متنوعة مثل العصف الذهني، ودراسة الحالة، ولعب الأدوار، والعمل بالمجموعات، بهدف تحفيز التفاعل وتعزيز التعلم النشط.

أما على مستوى التصميم، فيستعمل أدوات مثل السيناريو التكويني وبطاقات الوضعيات، في حين يعتمد في التقويم على أدوات متعددة تمكن من قياس التعلم وتحسينه. كما يلعب تدبير دينامية المجموعة دورا أساسيا في إنجاح التكوين، من خلال اعتماد تقنيات تذويب الجليد وتنظيم التفاعل وبناء مناخ إيجابي داخل فضاء التكوين. ويهدف كل ذلك إلى تحقيق الأثر التكويني، الذي يتمثل في قدرة المتدربين على نقل ما تعلموه إلى ممارستهم المهنية.

في أخلاقيات التكوين:

لا يقتصر دور المكون على تأطير ومواكبة مختلف محطات التكوين، بل يتجاوز ذلك ليشمل الالتزام بمجموعة من المبادئ القيمية التي تؤطر علاقته بالمتعلمين/ المتدربين. ومن أبرز هذه المبادئ احترام خصوصية المتعلم باعتباره فاعلا يمتلك خبرات سابقة يجب استثمارها وتثمينها، وليس مجرد متلق سلبي.

كما تفرض أخلاقيات التكوين اعتماد مقاربة تشاركية قائمة على الإنصات والحوار، بما يضمن إشراك المتدربين في بناء التعلم ويعزز دافعيتهم الداخلية. إلى جانب ذلك، يلتزم المكون بمبدأ العدالة البيداغوجية من خلال مراعاة الفروق الفردية وتكافؤ الفرص داخل الفضاء التكويني، مع الحرص على خلق مناخ إيجابي يسوده الاحترام المتبادل والثقة.

كما ينتظر منه التحلي بالموضوعية في التقويم، والابتعاد عن الأحكام المسبقة، مع تقديم تغذية راجعة بناءة تساعد على تطوير الأداء. وتندرج ضمن هذه الأخلاقيات أيضا مسؤولية المكون في ربط التكوين بحاجات المتدربين الفعلية، وتجنب فرض مضامين لا تستجيب لواقعهم المهني، بما ينسجم مع مبادئ التعلم التي تجعل من المعنى والجدوى والوظيفية شروطا أساسيا للتعلم.

في الختام، تشكل هندسة التكوين إطارا منهجيا ضروريا لضمان جودة وفعالية التكوينات، حيث تتيح الانتقال من الممارسات العفوية إلى ممارسات مبنية على التخطيط والتشخيص والتقويم. كما تساهم في إعداد مكونين قادرين على تأطير التعلم بشكل تفاعلي ومؤثر، بما يحقق التغيير المنشود في الأداء المهني. ومن هذا المنطلق، فإن تبني هذه المقاربة في التكوين يعد خيارا استراتيجيا يضمن تطوير الكفاءات وتحسين جودة الممارسة التكوين.

 

عن الكاتب

أخبار الشبيبة والرياضة

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

اخبار الشبيبة و الرياضة